حيدر حب الله

316

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

النصوص التي تجوّز القضاء وتفوّض للقضاة أعمالهم ، مع أنّ عمل القضاة يحتوي في كثير من الأحيان على الظنون دون اليقين ؟ إنّ نصوص النهي عن الفتيا يجب فهمها في سياقها الطبيعي والتاريخي ، فهي تنهى عن التصدّي لمقام خطر وحسّاس ، وتريد أن تؤسّس لمقولة الاحتياط في هذا المقام ، تماماً كتلك النصوص التي وصفت التصدّي للقضاء بأنّه موجبٌ غالباً لدخول النار أو بأنّه لا يبلغ مقام القضاء إلا الأندر من الناس ، كالنبي أو وصي نبي أو مؤمن امتحن الله قلبه ، وما جاء بتعبير « اجتنب القضاء فإنّك لا تقوم به » ، فهل تعني هذه النصوص النهي عن التصدّي للقضاء أم يجب فهمها في سياق بيان خطورة المنصب وأن لا يتطاول عليه الآخرون ، وأن لا يتصدّى الإنسان لمنصب لا يليق به ، وأن لا يتصدّى الآخرون لمنصب الإفتاء مع وجود الأئمّة دون الرجوع إليهم وعندهم علم النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ؟ ! هذا هو السياق الطبيعي والتاريخي لنصوص النهي عن الفتيا ، لا حرمة بيان الأحكام الشرعية للناس وفقاً لاجتهاداتك التي تقتنع بها وترى أنّ عندك الدليل المقنع عليها ، وترى في بيانها بيان حكم الله تعالى . فإذا أردنا فهم نصوص النهي عن التصدّي للفتيا أو للقضاء - إذا سلّمنا بأنّها متواترة ويقينيّة ، وهو أوّل الكلام - فيجب أخذ هذا السياق التاريخي والطبيعي من جهة ، كما يجب أخذ النصوص المقابلة التي تجوّز التصدّي للقضاء أو تحثّ على الفتيا أو على بيان الدين للناس . والفقيه يرى أنّ ما توصّل إليه هو دين الله ولو ظاهراً ، وأنّه ما أراده الله منّا ولو في ظرف غياب المراد الأولي الواقعي لله سبحانه ، فهذه النصوص تشبه نصوص النهي عن الجدل في القضايا العقائديّة حيث وردت نصوص تنهى عن ذلك ، فإنّ هذا لا يعني وقف البحث في العقائد وعدم التصدّي للشبهات